تشريعات وسياسات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
عندما دخل قانون المصرف المركزي الإماراتي الجديد حيّز التنفيذ، كان الهدف منه توحيد الإطار التنظيمي وتعزيز الوضوح، لا إثارة القلق في السوق. إلا أن المادة 62 سرعان ما تحوّلت إلى أكثر مواد القانون إثارةً للجدل، لتصبح محور نقاش واسع داخل أوساط التكنولوجيا المالية والويب 3 وشركات البنية التحتية التقنية.
وخلال أيام قليلة، فُسّرت المادة 62 على نطاق واسع على أنها إشارة إلى أن مزوّدي التكنولوجيا العاملين في الإمارات، أو انطلاقاً منها، لن يتمكنوا من الاستمرار دون الحصول على ترخيص من المصرف المركزي. ونتيجة لذلك، أوقفت بعض الشركات مشاريعها مؤقتاً، فيما بدأت أخرى بهدوء إعادة تقييم استراتيجياتها الإقليمية. ولم يكن القلق نابعاً من مبدأ التنظيم بحد ذاته، بل من الخشية من أن تكون الإمارات بصدد طمس الخط الفاصل بين الخدمات المالية والتكنولوجيا التي تمكّنها. غير أن هذا التفسير لم يكن دقيقاً.
وفي ظل هذا الالتباس، أصدر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي توضيحاً مفصلاً أعاد الأمور إلى نصابها، مؤكداً مبدأً تنظيمياً أساسياً مفاده أن التنظيم في الإمارات قائم على طبيعة النشاط، لا على التكنولوجيا المستخدمة.
لا تُنشئ المادة 62 فئات جديدة من الأنشطة المالية الخاضعة للترخيص، بل تعالج واقعاً عملياً في عالم المال الحديث، حيث لم تعد الخدمات المالية المصرَّح بها تُقدَّم من خلال نموذج أو بنية تحتية واحدة فقط.
وتؤكد المادة أن أي نشاط مالي مُدرج أصلاً ضمن المادة 61، مثل قبول الودائع، أو تقديم خدمات الدفع، أو إصدار القيمة المخزنة، أو الإقراض، يظل خاضعاً لإشراف المصرف المركزي، حتى لو تم تنفيذه باستخدام أي وسيلة تكنولوجية. كما أن استخدام أدوات أو منصات أو هياكل جديدة لا يغيّر من الطبيعة التنظيمية للنشاط نفسه.
وبعبارة أبسط، تبقى خدمة الدفع خاضعة للتنظيم سواء تم تنفيذها عبر نظام مصرفي تقليدي، أو تطبيق على الهاتف المحمول، أو منصة قائمة على البلوكتشين. وعليه، فإن الهدف من المادة 62 كان سدّ الثغرات التنظيمية، لا توسيع نطاق الترخيص ليشمل التكنولوجيا بحد ذاتها.
هذا ولم يكن مصدر الالتباس في نية القانون، بل في الطريقة التي جرى بها تفسيره ضمن النقاش العام. إذ ركّزت بعض القراءات المبكرة على توسّع الصلاحيات الرقابية، من دون التمييز بوضوح بين النشاط المالي والتمكين التقني.
وفي سوقٍ حساسٍ أصلاً تجاه تطورات العملات المستقرة والتمويل اللامركزي والأنظمة الرقمية، كان هذا الغموض كافياً لإثارة القلق. لذلك، افترض كثير من مزوّدي التكنولوجيا أن بناء البرمجيات، أو تشغيل البنية التحتية، أو دعم المؤسسات المرخّصة قد يفرض عليهم فجأة متطلبات ترخيص.
يرسم التوضيح الصادر عن المصرف المركزي حدوداً واضحة؛ فالمادة 62 لا تنظّم مزوّدي التكنولوجيا لمجرد أن أدواتهم تُستخدم في خدمات مالية.
إذ إن الشركات التي تطوّر البرمجيات، أو توفّر البنية التحتية، أو تبني البروتوكولات، أو تقدّم حلولاً تقنية، لا تدخل ضمن نطاق الترخيص ما لم تكن هي نفسها تمارس، أو تعرض، أو تصدر، أو تيسّر بشكل مهني نشاطاً مالياً خاضعاً للتنظيم.
والأهم من ذلك، يؤكد التوضيح أن مزوّدي التكنولوجيا الذين يعملون حصرياً مع مؤسسات مالية مرخّصة لا يُعتبرون مقدّمين أو ميسّرين للخدمات المالية لمجرد هذه العلاقة؛ إذ إن تمكين مؤسسة مرخّصة لا يُعدّ بحد ذاته نشاطاً مالياً منظّماً.
وبالنسبة للمطوّرين والبنّائين ومزوّدي البنية التحتية، يُعدّ هذا التمييز أساسياً، لأنه يؤكد أن الابتكار لا يزال مرحّباً به في الإمارات، طالما أن الخدمات المالية تُقدَّم ضمن إطار رقابي واضح.
تحديث تنظيمي
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
بدلاً من إصدار تعميم رسمي أو إعادة فتح النص التشريعي، اختار المصرف المركزي نهجاً متوازناً، فقد نُشر التوضيح من خلال الأسئلة الشائعة الرسمية على البوابة التشريعية للمصرف.
ورغم أن هذا الأسلوب أكثر هدوءاً، إلا أن هذه الأسئلة الشائعة ليست تعليقات غير رسمية، بل تعبّر عن التفسير المعتمد من المصرف المركزي، وتحمل وزناً قانونياً ورقابياً فعلياً، وتوجّه عملياً كيفية تطبيق وإنفاذ المادة 62 وسائر أحكام القانون.
ويعكس هذا الخيار نضجاً تنظيمياً، إذ يتيح الاستجابة لملاحظات السوق واستعادة اليقين، من دون التسبب باضطراب تنظيمي إضافي.
تطرّق التوضيح نفسه أيضاً إلى مسألة أخرى كانت محلّ تساؤل في السوق، وهي وضع مُصدري العملات المستقرة في الخارج.
فقد أشارت لوائح ممثلات الدفع الرقمية السابقة إلى مهلة لتسجيل الجهات الأجنبية، ومع انقضاء تلك المهلة دون إجراءات إنفاذ، بدأت التكهنات حول التوجه التنظيمي. ويأتي التوضيح الجديد ليضع هذه المسألة ضمن إطار فترة التوفيق المنصوص عليها في القانون.
وبموجب المادة 184، يمنح القانون فترة توفيق مدتها سنة واحدة تبدأ من تاريخ دخوله حيّز التنفيذ في 16 سبتمبر 2025. وهذا يعني أن الأنشطة المتأثرة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالعملات المستقرة الأجنبية، مطالبة بالمواءمة مع الإطار التنظيمي للمصرف المركزي بحلول 15 سبتمبر 2026، ما لم يتم تمديد الفترة رسمياً بقرار من مجلس إدارة المصرف.
وبدل إعادة ضبط الالتزامات أو الإيحاء بإنفاذ مفاجئ، يكرّس هذا النهج الاستمرارية التنظيمية ويمنح السوق موعداً واضحاً يمكن التنبؤ به.
تُظهر تجربة المادة 62 مدى سرعة انتشار القلق عندما تُقرأ النصوص القانونية بمعزل عن السياق. ففي بيئات تنظيمية سريعة التطور، يمكن للتفسيرات المبكرة، خصوصاً عندما تنفصل عن التوجيهات الرسمية، أن تضخّم المخاوف دون داعٍ. ويعكس رد المصرف المركزي فلسفة تنظيمية ميّزت الإطار المالي في الإمارات خلال السنوات الأخيرة: حماية الاستقرار المالي دون خنق الابتكار.
ومع تسجيل هذا التوضيح رسمياً، ينبغي قراءة المادة 62 على حقيقتها: أداة محايدة تكنولوجياً لمنع التحايل التنظيمي، لا قيداً على المطوّرين أو مزوّدي البنية التحتية.
أما الخلاصة للسوق فهي واضحة: التكنولوجيا حرة في الابتكار داخل الإمارات، والخدمات المالية تبقى خاضعة للتنظيم، والخط الفاصل بينهما، الذي بدا للحظة ضبابياً، أصبح اليوم واضحاً من جديد.




اختيارات المحرر

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 دقيقة

ليتوانيا تواجه قطاع العملات الرقمية: هل خسرت ليتوانيا الابتكار لصالح الإمارات؟
سلمى نويهض
١٨ فبراير ٢٠٢٦
7 دقيقة

من الإشارات إلى الأنظمة: لماذا دخلت الإمارات مرحلة تنفيذ البلوكشين
عبدالله الظاهري
١٠ فبراير ٢٠٢٦
4 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

سلطة تنظيم الأصول الافتراضية تصدر تنبيهاً بشأن منصة MEXC لممارستها أنشطة دون ترخيص
مكتب التحرير
٦ مارس ٢٠٢٦
2 د

العملات المستقرة في الإمارات: لماذا صُمِّمت للحركة وليس للبقاء محلياً؟
وليد أبو زكي
٢٨ فبراير ٢٠٢٦
8 د

الرئيس ترامب يحذر: البنوك تحاول إضعاف قانون GENIUS أثناء زيارة "كوين بيس"
مكتب التحرير
٤ مارس ٢٠٢٦
3 د

تركيا تقترح فرض ضريبة بنسبة 10% على أرباح العملات الرقمية
مكتب التحرير
٣ مارس ٢٠٢٦
2 د