عملات مستقرة ومدفوعات
مشاركة

وأ
الرئيس التنفيذي & رئيس التحرير
لا تُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة سوقاً تعاني من مشكلات في المدفوعات المحلية. فالتحويلات البنكية فورية، ومستوى التحول الرقمي مرتفع، كما يُعدّ القطاع المصرفي من بين الأكثر استقراراً في المنطقة. ومع ذلك، بدأت العملات المستقرة في الإمارات، ولا سيما تلك الصادرة عن بنوك وجهات خاضعة للتنظيم، بالظهور بشكل متزايد ضمن المشهد المالي.
حتى اليوم، تمت الموافقة على عدة عملات مستقرة مدعومة بالدرهم الإماراتي، تصدرها بنوك محلية، إلى جانب عملات مستقرة خارجية مرخّصة ضمن الأطر التنظيمية الإماراتية. ومن المتوقع انضمام مبادرات أخرى خلال الفترة المقبلة. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التطور غير منطقي؛ فعلى الصعيد العالمي، غالباً ما تُقدَّم العملات المستقرة كحلول لمشكلات أنظمة مدفوعات ضعيفة أو غير فعّالة، وهي تحديات لا تنطبق على الإمارات.
غير أن التفسير لا يرتبط بـ”المدفوعات المحلية”، بل بالوظيفة التي تؤديها هذه العملات. فالعملات المستقرة في الإمارات لا تُطوَّر لتغيير المنظومة القائمة داخلياً، بل لتعمل كأدوات موجهة إلى الخارج، تخدم التسويات العابرة للحدود، والعمليات المرتبطة بسوق الصرف الأجنبي، وتدفقات المؤسسات المالية، مع الحفاظ على دور الدرهم داخل الدولة دون تغيير.
في السياق المحلي البحت، يصعب تبرير الحاجة إلى العملات المستقرة. فالإمارات تمتلك أحد أكثر أنظمة المدفوعات كفاءةً على مستوى العالم، مع تحويلات فورية، وشمول مالي مرتفع، وثقة كبيرة بالمؤسسات الخاضعة للرقابة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العملات المستقرة، وبحق، على أنها “حلٌّ يبحث عن مشكلة”، وهو توصيف متداول على نطاق واسع في السوق.
صحيح أن البنوك تختبر بعض حالات الاستخدام في تسويات الأعمال بين الشركات (B2B) أو في إدارة الخزينة، إلا أن هذه التجارب تعكس توجهاً استكشافياً تقنياً أكثر من كونها استجابةً لحاجة فعلية غير ملبّاة. فالمدفوعات المحلية لا تتطلب عملات مستقرة عامة لتحسين أدائها، كما أن الاقتصاد المحلي مخدوم بكفاءة من خلال البنية التحتية القائمة.
غير أن المعادلة تتغير تماماً عند إدخال عامل الصرف الأجنبي. هنا تبدأ العملات المستقرة في الإمارات باكتساب معناها الفعلي، ليس بوصفها أدوات دفع، بل كأدوات للصرف الأجنبي (FX) تُمكّن التحويل من الدرهم وإليه داخل بيئات قائمة على البلوكتشين. وعندما تقترن هذه القدرة بإمكانية التحويل السلس بين العملات المستقرة المقومة بالدرهم وتلك المقومة بالدولار، تتضح القيمة المضافة بجلاء: فالعملتان موجودتان على الشبكة نفسها، والتسوية فورية، وتحويل العملات يصبح جزءاً من تدفق رقمي متكامل.
في هذا السياق، لا تسعى العملات المستقرة في الإمارات إلى معالجة خلل في المدفوعات المحلية، بل إلى تمكين التسعير على الشبكة والتحويل على الشبكة، وهنا تكمن أهميتها الحقيقية.
لفهم هذا التوجه بدقة أكبر، ينبغي النظر إلى كيفية استخدام الدرهم في الواقع العملي.
فالدرهم الإماراتي، بطبيعته، عملة ذات طابع خارجي من حيث التدفقات. إذ تتقاضى شريحة كبيرة من المقيمين رواتبها بالدرهم، ثم تقوم بتحويل جزء منها إلى الخارج. كما أن قطاعات التجارة، والخدمات اللوجستية، والطيران، والإنشاءات، والخدمات المهنية تولّد تدفقات مالية مستمرة باتجاه إفريقيا، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا. في هذا السياق، لا يتمثل الدور الأساسي للدرهم في الادخار طويل الأجل أو تخزين القيمة، بل في كونه عملة حركة وتدفق.
وتنسجم العملات المستقرة المدعومة بالدرهم طبيعياً مع هذا الدور. فهي تؤدي وظيفة أدوات تسوية تنقل القيمة بين المؤسسات، وتُستخدم في المقاصة وتجميع الالتزامات قبل انتقال القيمة إلى نظام عملة آخر. ومن هذا المنظور، لا تهدف العملات المستقرة الإماراتية إلى تشجيع الاحتفاظ بالدرهم خارج الدولة، بل إلى جعل تدفقاته العابرة للحدود أكثر كفاءة وانسيابية.
الإشارة الأوضح لا تأتي من الخطاب العام، بل من هوية الجهات المُصدِرة نفسها ومن طبيعة نماذج أعمالها.
فالمؤسسات الكبرى مثل بنك أبوظبي الأول، والمجموعات المرتبطة بـ IHC، تتمتع بطابع عالمي من حيث الميزانيات، وقواعد العملاء، والتوجهات الاستراتيجية. وبالنسبة لهذه الجهات، لا تمثل المدفوعات المحلية عنق الزجاجة، بل تكمن التحديات الحقيقية في التسويات العابرة للحدود، وإدارة السيولة، والعمليات المؤسسية واسعة النطاق.
في المقابل، تعتمد بنوك أصغر وأكثر تخصصاً منطقاً مختلفاً، لكنه لا يقل وضوحاً أو تعمداً.
فلا يُنظر إلى RAKBANK على أنه بنك تجارة عالمية ضخم، ولا يسعى بالضرورة إلى ذلك. تكمن قوته في الجمع بين المدفوعات المحلية، والخدمات المصرفية المخصصة، وإتاحة وصول منظم إلى عالم الأصول الرقمية. ويفضل كثير من العملاء التعامل مع بنك أصغر يوفر مرونة وتواصلاً مباشراً، بدلاً من أن يكونوا مجرد رقم ضمن مؤسسة عملاقة. ويعزز هذا التوجه تكامل RAKBANK مع منصة Bitpanda، بما يتيح للعملاء شراء وبيع العملات الرقمية مباشرة عبر التطبيق البنكي.
أما AEcoin، فتمثل نموذجاً أكثر وضوحاً لنهج قائم على المدفوعات. فمن خلال محفظة AEC، صُمِّمت AEcoin كأداة دفع بحتة، حيث تؤدي العملات الرقمية دور قناة (rail) لنقل القيمة، لا أداةً للمضاربة. كما تتيح إمكانية شحن AEcoin باستخدام أصول رقمية عبر Emcoin إنشاء جسر مباشر بين المدفوعات التقليدية والقيمة المسجلة على السلسلة. هذا النموذج لا يندرج ضمن تمويل التجارة، بل يعكس بنية مدفوعات وتحويل عملات مصممة للتكامل وقابلية البرمجة.
وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى MBank، التي أعلنت صراحة عن طموحات ترتبط بإفريقيا والأسواق الناشئة. في هذا السياق، لا تتنافس العملات المستقرة القائمة على المدفوعات مع أدوات التسوية بالدولار، بل تأتي مكمّلة لها ضمن منظومة أوسع من التدفقات العابرة للحدود.
إخلاء مسؤولية الضمان
المعلومات المقدمة في هذا المقال لأغراض إعلامية عامة فقط. لا نقدم أي ضمانات حول اكتمال ودقة وموثوقية هذه المعلومات. اقرأ إخلاء المسؤولية الكامل
ليست جميع العملات المستقرة العاملة ضمن الأطر التنظيمية في الإمارات مدعومة بالدرهم.
تُعد USDU، المرخّصة ضمن سوق أبوظبي العالمي والمسجّلة لدى مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، أول عملة مستقرة مدعومة بالدولار الأميركي تحصل على موافقة رسمية ضمن نظام “خدمات ممثلات الدفع الرقمية”. وتصدر USDU عن Aquanow بالتنسيق مع شركاء مصرفيين، من بينهم MBank وبنك الإمارات دبي الوطني، ما يرسّخ موقعها ضمن البنية المالية المؤسسية الخاضعة للرقابة.
من الناحية الهيكلية، صُمّمت USDU لخدمة التسويات المؤسسية وإدارة السيولة المقومة بالدولار، لا لتكون أداة دفع محلية موجهة للأفراد. وينصب تركيزها على التسوية المنظمة للأصول الرقمية، وعلى التكامل مع أنظمة الدفع والعملات المستقرة الأخرى ضمن إطار تشغيلي منظم.
وعند النظر إلى USDU إلى جانب AEcoin والبنية المرتبطة بـ MBank، تتضح ملامح حلقة شبه مغلقة: مدفوعات مقومة بالدرهم في جهة، وتسوية بالدولار في الجهة المقابلة، مع استخدام البلوكتشين كقناة للتحويل والمقاصة. ويُعد هذا النموذج ملائماً بشكل خاص للممرات الإفريقية، حيث تتقاطع الحاجة إلى سيولة بالدولار مع تقلب العملات المحلية ومتطلبات كفاءة التسوية.
إن السماح للجهات داخل الدولة بالتفاعل مع USDU لا يعني “توطينها”، بل يعكس مستوى من الارتياح التنظيمي وقابلية التشغيل البيني ضمن قواعد واضحة، لا توجهاً نحو استبدال العملات.
على الرغم من تعدد المبادرات، يبقى مبدأ أساسي ثابتاً: يظل النشاط الاقتصادي داخل دولة الإمارات مقوّماً ومسوّى بالدرهم الإماراتي.
قد تُستخدم العملات المستقرة كأدوات عبور أو تسوية في سياقات عابرة للحدود أو في عمليات مرتبطة بالصرف الأجنبي، إلا أنها لا تغيّر وحدة الحساب المعتمدة في الرواتب أو في التجارة المحلية. فقد تتبدل القنوات والوسائط التقنية، لكن الدرهم يبقى نقطة الارتكاز النقدي داخل الدولة وأساس المنظومة المالية المحلية.
غالباً ما يُساء تفسير “تحرّك” العملات المستقرة الإماراتية على أنه محاولة لاستبدال الدولار الأميركي. إلا أن الواقع يعكس توجهاً نحو تنويع أدوات التسوية، لا إزاحة العملة نفسها.
فلا تزال التجارة العالمية مقوّمة بالدولار، ومُسعّرة على أساسه، وتُدار أدوات التحوّط وفقه. كما أن استخدام الدرهم ضمن مسار التسوية لا يغيّر هذه المعادلة، لا سيما في ظل ارتباطه بالدولار الأميركي. وبالتالي، فإن ما يشهد تغيراً هو البنية التحتية لعمليات التسوية والتحويل، لا النظام النقدي القائم.
يركز الاستخدام الخارجي للعملات المستقرة الإماراتية على إفريقيا وآسيا. وقد يُساء أحياناً تفسير ذلك كمحاولة لتصدير الدرهم، إلا أن الواقع أكثر تواضعاً ودقة.
تمثل هذه المناطق ممرات للتجارة، والتحويلات المالية، والرواتب، والخدمات. وتظل العملات المحلية في وجهتها النهائية، في حين تعمل العملات المستقرة كطبقة مؤسسية تربط بين الأطراف، وتسهّل عمليات التحويل والمقاصة قبل انتقال القيمة إلى الأنظمة المحلية.
غالباً ما يُنظر إلى العملات المستقرة في الإمارات من زاوية التبني المحلي، لكن الاطلاع على رؤية المُصدرين، والبنية التنظيمية، وحالات الاستخدام الفعلية يكشف عن مسار مختلف.
لقد صُمِّمت هذه العملات لتتحرّك، لتخدم التسويات العابرة للحدود، وسوق الصرف الأجنبي، وممرات المدفوعات، مع بقاء الدرهم راسخاً داخل الدولة. تكمن أهميتها ليس في انتشارها محلياً، بل في تمكين التسعير والتحويل على السلسلة خارج حدود الدولة.
ويُعدّ هذا التوازن بين الحركة والثبات العامل الحاسم في تحديد مستقبل العملات المستقرة في الإمارات، خصوصاً مع دخول المزيد من البنوك والجهات السيادية إلى هذا المجال.




اختيارات المحرر

المصرف المركزي الإماراتي يصدر بيانًا لحسم الجدل حول المادة 62
وليد أبو زكي
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقيقة

ليتوانيا تواجه قطاع العملات الرقمية: هل خسرت ليتوانيا الابتكار لصالح الإمارات؟
سلمى نويهض
١٨ فبراير ٢٠٢٦
7 دقيقة

من الإشارات إلى الأنظمة: لماذا دخلت الإمارات مرحلة تنفيذ البلوكشين
عبدالله الظاهري
١٠ فبراير ٢٠٢٦
4 دقيقة
المزيد من المقالات
في نفس المجال

"ويسترن يونيون" تدخل عالم العملات المستقرة عبر "سولانا"
مكتب التحرير
٥ مارس ٢٠٢٦
3 د

تحذيرات البنك المركزي الأوروبي: العملات المستقرة تهدّد البنوك وسيادة اليورو
مكتب التحرير
٤ مارس ٢٠٢٦
3 د

مكتب مراقب العملة يضع إطار عمل لتنظيم العملات المستقرة وفق قانون GENIUS
مكتب التحرير
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
2 د

“ريفولوت” تختبر العملات المستقرة في المملكة المتحدة ضمن البيئة التجريبية
مكتب التحرير
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
2 د